كمال الدين دميري

259

حياة الحيوان الكبرى

« آجر موسى عليه الصلاة والسلام نفسه بعفة فرجه ، وشبع بطنه . فقال له ختنه شعيب عليه السلام : إن لك في غنمي ما جاءت به قالب لون » . جاء تفسيره في الحديث أنها جاءت على غير ألوان أمهاتها ، كأن لونها قد انقلب . والحكمة في أن اللَّه تعالى جعل الرعي في الأنبياء تقدمة لهم ، ليكونوا رعاة الخلق ، ولتكون أممهم رعايا لهم . وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « رأيت غنما سودا دخلت فيها غنم كثير بيض » . قالوا : فما أولته يا رسول اللَّه ؟ قال : « العجم يشركونكم في دينكم وأنسابكم » . قالوا : العجم ؟ يا رسول اللَّه قال : « لو كان الايمان معلقا بالثريا لناله رجال من العجم » . وفي رواية « 1 » قال صلى اللَّه عليه وسلم : « رأيت في المنام غنما سودا ، يتبعها غنم عفر . يا أبا بكر عبرها » قال : هي العرب تتبعك ثم يتبعها العجم . فقال صلى اللَّه عليه وسلم : « هكذا عبرها الملك سحرا » . وقد رأى النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه ينزع في قليب وحوله أغنام سود وغنم عفر ، ثم جاء أبو بكر فنزع نزعا ضعيفا ، واللَّه يغفر له ، ثم جاء عمر فاستحالت غربا يعني الدلو ، فلم أر عبقريا يفري فريه . فأولها الناس بالخلافة لأبي بكر وعمر رضي اللَّه تعالى عنهما ، ولولا ذكر الغنم السود والعفر لبعدت الرؤيا عن معنى الخلافة والرعاية ، إذ الغنم السود والعفر عبارة عن العرب والعجم . وأكثر المحدثين لم يذكروا الغنم في هذا الحديث . وذكره الإمام أحمد والبزار في مسنديهما وبه يصح المعنى . ودخل أبو مسلم الخولاني على معاوية ، فقال : السلام عليك أيها الأجير . فقالوا : قل : السلام عليك أيها الأمير . فقال : السلام عليك أيها الأجير . فقالوا : قل : السلام عليك أيها الأمير . فقال : السلام عليك أيها الأجير . فقال لهم معاوية : دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول . فقال أبو مسلم : إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها ، فإن أنت هنأت جرباها ، وداويت مرضاها ، وحبست أولاها على أخراها ، وقاك سيدها . وإن أنت لم تهنأ جرباها ، ولم تداو مرضاها ، ولم تحبس أولاها على أخراها ، عاقبك سيدها . وفي رسالة القشيري ، في باب الدعاء ، أن موسى عليه الصلاة والسلام مر برجل يدعو ويتضرع فقال موسى : إلهي لو كانت حاجته بيدي لقضيتها ! فأوحى اللَّه تعالى إليه : يا موسى أنا أرحم به منك ، ولكنه يدعوني وله غنم ، وقلبه عند غنمه ، وأنا لا أستجيب لعبد يدعوني وقلبه عند غيري . فذكر موسى للرجل ذلك ، فانقطع إلى اللَّه تعالى بقلبه فقضيت حاجته . وفي المجالسة للدينوري ، من حديث حماد بن زيد ، عن موسى بن أعين الراعي ، قال : كانت الغنم والأسد والوحش ترعى في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي اللَّه تعالى عنه ، في موضع واحد ، فعرض ذات يوم لشاة منها ذئب ، فقلت : إنا للَّه وإنا إليه راجعون ، ما أرى الرجل الصالح إلا قد هلك . قال : فحسبناه فوجدناه قد مات في تلك الساعة .

--> « 1 » رواه ابن حنبل : 5 - 455 .